
- دحو الأرض.. بداية الرحمة ومسيرة التوحيد
- الكاتب:دنيا علاوي
- تاريخ الإضافة:11/05/2026
- المشاهدات:207
- تم الاضافة بواسطة:عباس علي الدليمي
دحو الأرض.. بداية الرحمة ومسيرة التوحيد
دحو الأرض.. بداية الرحمة ومسيرة التوحيد
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى أله الطيبين الطاهرين.
من الأيّام العظيمة التي أولتها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) اهتمامًا خاصًا يوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، المعروف بيوم “دحو الأرض”، وهو يوم ارتبط ببدايات الخلق، ونزول الرحمة، وانطلاق مسيرة التوحيد على وجه الأرض. ولم يكن هذا اليوم مجرّد ذكرى كونية عابرة، بل هو مناسبة تحمل أبعادًا عقائدية وروحية وعبادية عميقة، تجعل المؤمن يقف متأملًا أمام عظمة الخالق وتدبيره لهذا الكون.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الحدث العظيم بقوله تعالى:
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30].
وهذه الآية ا لمباركة جاءت ضمن الحديث عن خلق السماوات والأرض، حيث بيّن الله سبحانه مراحل إعداد الكون وهيئته للحياة. فبعد أن رفع السماء وسوّاها، جاءت مرحلة دحو الأرض، أي بسطها وتمهيدها وإخراج الماء والمرعى منها لتصبح صالحةً لاستقرار الإنسان والحياة عليها.
وقد ذكر علماء اللغة أن “الدحو” يعني البسط والتوسعة والتمهيد، قال ابن منظور : “دحا الأرض: بسطها ووسّعها”. وأوضح العلامة الشيخ محمد جواد مغنية (رحمه الله) أن معنى الآية: “أي بسطها ومهّدها بحيث تصبح صالحة للسكن والسير”. بينما ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن لفظة “دحاها” تحمل دلالة دقيقة تجمع بين البسط الظاهري والتكوين الكروي للأرض، فالأرض تبدو للإنسان مبسوطةً في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كروية، وهو ما ينسجم مع الحقائق الفلكية الحديثة دون تعارض مع النص القرآني.
وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام) بيانٌ عظيم لكيفية دحو الأرض ومكان بدايته. فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام):
«إن الله خلق البيت قبل الأرض، ثم خلق الله الأرض من بعده فدحاها من تحته».
وفي رواية أخرى عن الإمام الرضا (عليه السلام):
«إن الموضع الذي من تحته دُحيت الأرض وكل ريح تهب في الدنيا فانها تخرج من تحت الركن الشامي وهي أول بقعة وضعت في الأرض ». وسائل الشيعة 450 10
وهذا يكشف عن عظمة الكعبة المشرفة، وأنها ليست مجرد قبلةٍ للصلاة، بل هي مركز الانطلاق الأول لعمران الأرض ومسيرة التوحيد.
وقد ورد في بعض الروايات أن الأرض مُدّت من تحت الكعبة إلى منى، ثم إلى عرفات، ثم إلى المشعر الحرام، وكأن هذه البقاع المباركة تمثل خارطة الطريق الإيمانية التي يسير فيها الإنسان نحو الله تعالى. فالكعبة هي “أم القرى”، ومنها بدأت الأرض، ومنها انطلقت دعوة التوحيد، ومنها أيضًا ستبدأ أعظم حركة إصلاح إلهي على يد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
ولذلك تحدّث بعض العلماء عن العلاقة بين يوم دحو الأرض وبين الظهور المبارك للإمام المهدي (عليه السلام)، باعتبار أن مسيرة التوحيد التي بدأت من جوار الكعبة ستكتمل بقيادته العالمية العادلة. وقد أشار بعض أهل العلم إلى روايات تفيد بوجود ارتباط واضح بين يوم دحو الأرض وحركة الإمام المنتظر، لأن الكعبة تمثل مركز الوحدة الإلهية، والإمام المهدي هو قائد مسيرة قولوا لا إله إلا الله تفلحوا في مرحلتها الأكمل والأتم.
ومن هنا نفهم أن دحو الأرض ليس حدثًا جغرافيًا فحسب، بل هو إعلانٌ إلهي عن بداية مشروع الهداية على وجه الأرض، المشروع الذي قاده الأنبياء والأوصياء، ويُختتم بقيام دولة العدل الإلهي.
ولمّا كان هذا اليوم بهذه العظمة، فقد خصّه الله تعالى بفيضٍ واسع من الرحمة والبركات. فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام):
«نُشرت فيه الرحمة، ودُحيت فيه الأرض، ونُصبت فيه الكعبة، وهبط فيه آدم (عليه السلام)».
كما ورد أن ولادة النبي إبراهيم وعيسى (عليهما السلام) كانت في هذا اليوم المبارك، مما يزيده شرفًا ومنزلة.
وقد أكّدت الروايات على استحباب إحياء هذا اليوم بالعبادة والطاعة، من صيامٍ وصلاةٍ ودعاء وذكر. وروي أن صيامه يعدل صيام ستين شهرًا، وفي رواية أخرى: كفارة سبعين سنة. كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«إن أول رحمة نزلت من السماء إلى الأرض في خمس وعشرين من ذي القعدة».
وهذا يدل على أن اليوم يمثل موسمًا إلهيًا عظيمًا يغفل عنه كثير من الناس، رغم ما فيه من أبواب الرحمة واستجابة الدعاء.
ومن الدروس المهمة التي نستفيدها من يوم دحو الأرض أنّ المؤمن ينبغي أن يربط قلبه دائمًا بعظمة الله وبأهل البيت عليهم السلام، وبالإمام المهدي عجل الله فرجه، لأنّه الامتداد الحقيقي لمسيرة التوحيد والهداية. و أنّ الانتظار الحقيقي لا يكون بالكلام فقط، بل: بالإصلاح، والدعاء، والارتباط بالله، ونصرة الحق، والتمهيد لظهوره المبارك .
كما يدعونا هذا اليوم إلى إحياء روح الدعاء والذكر، وإقامة المجالس التي تُعرّف الناس بعظمة هذه المناسبة. فكل مؤمن يستطيع أن يكون سببًا في نشر الرحمة والمعرفة، ولو بكلمة أو مجلس أو دعوة صادقة. وقد أكّد القرآن الكريم أهمية الدعاء بقوله تعالى:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: 77].
إن دحو الأرض يذكّر الإنسان بأن هذه الحياة بدأت برحمة، وأن طريق النجاة يبدأ من معرفة الله والسير في خط التوحيد، وأن الأرض التي بُسطت بأمر الله ينبغي أن تُعمَر بالإيمان والعدل والتقوى .
وفي الختام، يبقى يوم دحو الأرض مناسبةً عظيمة تستحق التأمل والإحياء، لأنه يوم ارتبط ببداية الخلق، ونزول الرحمة، وظهور معالم التوحيد على وجه الأرض. فطوبى لمن أحيا هذا اليوم بالعبادة والدعاء، وجعل منه محطةً للتقرب إلى الله تعالى، وتجديد العهد مع محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين).
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
الكاتبة : دنيا علاوي